المقريزي
83
تاريخ اليهود وآثارهم في مصر
رسولا لينهاه عن عبادة وثن بعل ، ويأمره بعبادة اللّه تعالى وحده ، وذلك قول اللّه عزّ وجلّ من قائل : وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ لا تَتَّقُونَ * أَ تَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ . . . « 1 » ، ولمّا أيس من إيمانهم باللّه وتركهم عبادة الوثن ، أقسم في مخاطبته أحؤب ألّا يكون مطر ، ولا ندا . ثمّ تركه ، فأمره اللّه سبحانه أن يذهب ناحية « الأردن » فمكث هناك مختفيا ، وقد منع اللّه قطر السّماء حتّى هلكت البهائم وغيرها ، فلم يزل « إلياس » مقيما في استتاره إلى أن جفّ ما كان عنده من الماء ، وفي طول إقامته كان اللّه جلّ جلاله يبعث إليه بغربان تحمل له الخبز واللّحم ، فلمّا جفّ ماؤه الّذى كان يشرب منه لامتناع المطر أمره اللّه أن يسير إلى بعض مدائن « صيدا » فخرج حتّى وافى باب المدينة ، فإذا امرأة تحتطب ، فسألها ماء يشربه ، وخبزا يأكله ، فأقسمت له أنّ ما عندها إلّا مثل غرفة دقيق في إناء ، وشئ من زيت في جرّة ، وأنّها تجمع الحطب لتقتات منه هي وابنها . فبشّرها إلياس عليه السّلام وقال لها : لا تجزعي ، وافعلى ما قلت لك ، واعملى لي خبزا قليلا قبل أن تعملى لنفسك ولولدك ، فإنّ الدقيق لا يعجز من الإناء ، ولا الزّيت ، من الجرّة ، حتّى ينزل المطر . . ففعلت ما أمرها به ، وأقام عندها فلم ينقص الدّقيق ولا الزّيت بعد ذلك ، إلى أن مات ولدها وجزعت عليه ، فسأل إلياس ربّه تعالى فأحيا الولد ، وأمره اللّه أن يسير إلى « أحؤب » ملك بني إسرائيل ، لينزل المطر عند إخباره له بذلك ، فسار إليه وقال له : اجمع بنى / إسرائيل وأبناء « بعال » « 2 » فلمّا اجتمعوا قال لهم إلياس : إلى متى هذا الضّلال ؟ ! إن كان الربّ اللّه فاعبدوه ، وإن كان « بعال » هو اللّه فارجعوا بنا إليه . . وقال : ليقرّب كلّ منّا قربانا ، فأقرّب أنا للّه ، وقرّبوا أنتم لبعال . فمن تقبّل منه قربانه ونزلت نار من
--> ( 1 ) سورة الصافات ، الآيات ( 123 - 127 ) . ( 2 ) يريد ب « أبناء بعال » : كهنة « بعل » الصنم الذي كانوا يقدسونه .